ابن رشد

121

تهافت التهافت

يعرف وجوبه إلا بعد دليل آخر فليكن غيره . وبالجملة الوجود أمر عام ينقسم إلى واجب وإلى ممكن ، فإن كان فصل أحد القسمين زائدا على العام فكذلك الفصل الثاني ولا فرق . فإن قيل : إمكان الوجود له من ذاته ووجوده من غيره فكيف يكون ما له من ذاته وما له من غيره واحدا . قلنا : وكيف يكون وجوب الوجود هو عين الوجود ويمكن أن ينفي وجوب الوجود ويثبت الوجود والواحد الحق من كل وجه هو الذي لا يتسع المنفى والإثبات إذ لا يمكن أن يقال : موجود وليس بموجود أو واجب الوجود وليس بواجب الوجود ، ويمكن أن يقال : موجود وليس بواجب الوجود كما يمكن أن يقال : موجود وليس بممكن الوجود وإنما يعرف الوحدة بهذا فلا يستقيم تقدير ذلك في الأول إن صح ما ذكروه من كون إمكان الوجود غير الوجود الممكن . قلت : أما قوله : إن قولنا في الشيء أنه ممكن الوجود لا يخلو إما أن يكون عين الوجود أو غيره ، أي معنى زائدا على الوجود ، فإن كان عينه فليس بكثرة فلا معنى لقولهم : أن ممكن الوجود هو الذي فيه كثرة وإن كان غيره لزمكم ذلك في واجب الوجود فيكون واجب الوجود فيه كثرة وذلك خلاف ما يضعون ، فإنه كلام غير صحيح . وقد ترك قسما ثالثا وذلك أن واجب الوجود ليس هو معنى زائدا على الوجود خارج النفس وإنما هو حالة للموجود الواجب الوجود ليست زائدة على ذاته وكأنها راجعة إلى نفي العلة ؛ أعني أن يكون وجوده معلولا عن غيره ، فكأنه ما أثبت لغيره سلب عنه بمنزلة قولنا في الموجود أنه واحد ، وذلك أن الوحدة ليست تفهم في الموجود معنى زائدا على ذاته خارج النفس في الوجود ، مثل ما يفهم من قولنا : موجود أبيض ، وإنما يفهم منه حالة عدمية هي عدم الانقسام ، وكذلك واجب الوجود إنما يفهم من وجوب الوجود حالة عدمية اقتضتها ذاته ، وهو أن يكون وجوب وجوده بنفسه لا بغيره . وكذلك قولنا : ممكن الوجود من ذاته ليس يمكن أن يفهم منه صفة زائدة على الذات خارج النفس كما فهم من الممكن الحقيقي ، وإنما يفهم منه أن ذاته تقتضي ألا يكون وجوده واجبا إلا بعلة ، فهو يدل على ذات إذا سلب عنه علته لم يكن واجب الوجود بذاته بل كان غير واجب الوجود ، أي مسلوبا عنه صفة وجوب الوجود فكأنه قال : إن الواجب الوجود منه ما هو واجب لنفسه ، ومنه ما هو واجب لعلة ، والذي هو واجب لعلة ليس واجبا لنفسه ، فلا يشك أحد أن هذه الفصول ليست فصولا جوهرية ، أي قاسمة للذات ولا زائدة على الذات ، وإنما هي